أحمد بن ابراهيم النقشبندي

289

شرح الحكم الغوثية

وللشيخ علامات يستدل بها المريد عليه إذا نوّر اللّه بصيرته ، وأراد منه انتفاع على يديه ، وهي ثلاث : الأولى : أن تشهد ذاتك له بالتقديم ، وسرك بالاحترام والتعظيم ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم :

--> - وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه عنه : معرفة الولي أصعب من معرفة اللّه ، فإن اللّه معروف بكماله وجماله ، ومتى تعرف مخلوقا مثلك يأكل كما تأكل ، ويشرب كما تشرب ؟ ثم قال : وإذا أراد أن يعرفك بولي من أوليائه ، طوى عنك شهود بشريته ، وأشهدك وجود خصوصيته انتهى . وأيضا فإن الولي لا يعرف بالصورة الظاهرة ، وإنما يعرف بالمعاني الباطنة ، لأن اللّه لا يعبأ بالصور : « ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على اللّه لأبرّه » ، في قسمه . فمن أراد معرفته بالصورة فلا يعرفه ، لأنه لا يرى إلا بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، فالعين لا ترى إلا الأجسام الكثيفة التي يطرأ عليها ما يطرأ على أهل الحجاب ، ولم يدرك ما انطوت عليه الصورة من المعاني اللطيفة ، والأسرار المنيفة . فمن أراد اللّه سعادته رزقه الاعتقاد والتصديق أولا ، ثم الهداية والتوفيق ثانيا ، فالتصديق بأسرار الولاية أول المعرفة ، ولهذا قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه : التصديق بطريقتنا هذه ولاية . وقال بعضهم : للّه رجال لا يعرفهم إلا الخاصة ، وللّه رجال يعرفهم الخاصة والعامة ، وللّه رجال لا يعرفهم لا الخاصة ولا العامة ؛ وللّه رجال أظهرهم في البداية وسترهم في النهاية ، وللّه رجال سترهم في البداية وأظهرهم في النهاية ، وللّه رجال لا يعرفهم سواه ولا يطلع على ما بينه وبينهم إلا الحفظة الكرام ، الذين وكلوا بحفظ السرائر ، وللّه رجال اختص اللّه بمعرفتهم لا يظهر حقيقة ما بينه وبينهم إلا الحفظة فمن سواهم حتى يلقونه ، فهم شهداء الملكوت الأعلى ، وهم المقربون ، وهم الذين يتولى اللّه قبض أرواحهم بيده ، وهم الذين طابت أجسامهم من طيب أرواحهم ، فلا يعدو عليها الثرى حتى يبعثون مشرقين بأنوار البقاء المجعول فيهم ببقاء الأبد مع الباقي الأحد ، وهم المخفقون تحت حجاب الأنس ، المغموسون في بحار المحبة والقدس ، فليس لهم مع غيره قرار ، ولا عن أنفسهم إخبار ، تولى اللّه شأنهم : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [ المائدة : 56 ] انتهى . قال الشطيي رضي اللّه عنه : وهذه الأسرار التي انطوت عليها أسرار الأولياء واحتجبت عن العامة هي أسرار الملكوت الغيبية . وانظر : الإيقاظ ( شرح الحكمة : 192 ) .